السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

285

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ودلالتها أيضا على أن تحريم الإتيان في المحيض نوع تطهير من القذارة واللّه سبحانه يحب التطهر دائما ، ويمتن على عباده بتطهيرهم كما قال تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ( المائدة 6 ) . ومن المعلوم أن هذا اللسان لا يقبل التقييد بمثل قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، المشتمل أولا على التوسعة ، وهو سبب كان موجودا مع سبب التحريم وعند تشريعه ولم يؤثر شيئا فلا يتصور تأثيره بعد استقرار التشريع وثانيا على مثل التذييل الذي هو قوله تعالى : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ، ومن هذا البيان يظهر : ان آية الحرث لا تصلح لنسخ آية المحيض سواء تقدمت عليها نزولا أو تأخرت . فمحصل معنى الآية : أن نسبة النساء إلى المجتمع الإنساني نسبة الحرث إلى الإنسان فكما أن الحرث يحتاج اليه لابقاء البذور وتحصيل ما يتغذى به من الزاد لحفظ الحياة وإبقائها كذلك النساء يحتاج إليهن النوع في بقاء النسل ودوام النوع لأن اللّه سبحانه جعل تكون الانسان وتصور مادته بصورته في طباع أرحامهن ، ثم جعل طبيعة الرجال وفيهم بعض المادة الأصلية مائلة منعطفة إليهن ، وجعل بين الفريقين مودة ورحمة ، وإذا كان كذلك كان الغرض التكويني من هذا الجعل هو تقديم الوسيلة لبقاء النوع فلا معنى لتقييد هذا العمل بوقت دون وقت ، أو محل دون محل إذا كان مما يؤدي إلى ذلك الغرض ولم يزاحم أمرا آخر واجبا في نفسه لا يجوز إهماله ، وبما ذكرنا يظهر معنى قوله تعالى وقدموا لأنفسكم . قوله تعالى : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ، قد ظهر : ان المراد من قوله : قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وخطاب الرجال أو مجموع الرجال والنساء بذلك الحث على إبقاء النوع بالتناكح والتناسل ، واللّه سبحانه لا يريد من نوع الانسان وبقائه إلّا حياة دينه وظهور توحيده وعبادته بتقواهم العام ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات / 56 ) ، فلو أمرهم بشيء مما يرتبط بحياتهم وبقائهم